جلال الدين السيوطي
363
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة
فلو فارسيّ الفنّ غامرك اغتدى * لنحوك يسعى وهو في زيّ راجل عدمناك شيخا كم جلا من علومه * عقائل صينت بعده في معاقل وكم جاء في فنّ الخليل بن أحمد * بأحمد أقوال أتت بالفواصل لئن نال أسباب السماء بعلمه * فأوتاده في المجد غير مزايل وأدمعنا بحر مديد وحزننا * طويل لبحر وافر الجود كامل وكان أبا للطالبين يريهم * فواضله مقرونة بالفضائل نصيحا لطلّاب العلوم جميعهم * فلم يأل جهدا عند تعليم جاهل يحرّر في علم ابن إدريس للورى * دروسا تولّى حملها خير حامل ويرشد بالتهذيب طلّاب علمه * فينظر منهم كاملا بعد كامل ولا يرتئي في شكره غير حاسد * ولا يمتري في علمه غير نأكل يجود بأنواع الفضائل جهرة * ويجهد في إخفائها للفواضل هو البحر علما بل هو البحر في ندى * لقد مرج البحرين منه لآمل وإنّ ابن رفعة لو تقدّم عصره * طوى نحوه البيداء سير المحامل ولو شاهد القفّال يوما دروسه * لما كان يوما عن حماه بقافل ترنّم في أمداحه كلّ صادق * فأطرب في إنشادها سمع ذاهل سأبكيه بالدّرّين دمع ومنطق * لبحرين من علم وبرّ حواصل لقد هجرت صاد المناصب نفسه * كما هجرت راء الهجا نفس واصل تنزّه عنها وهي لا تستفزّه * بزخرفها الخدّاع خدع المجامل وما مدّ عينا نحوها إذ تبرّجت * تبرّج حسناء الحلى في الغلائل ويلقاك بالترحيب والبشر دائما * فلم تره إلّا كريم الشمائل صفت منه أخلاق لقاصده كما * صفا منه للعافين شرب المناهل أعزّى محاريب العلا بإمامها * وإن كان مأموما بأعظم نازل أعزّي دروس الفقه بعد دروسها * لتصديرهمّ من بعده كلّ خامل فقل لحسود لا يسدّ مكانه * سيفضحك التخجيل بين المحافل بحقّ حوى عبد الرّحيم سيادة * وأعداؤها كم حاولوها بباطل تطاول قوم كي يحلّوا محلّه * فما ظفروا ممّا تمنّوا بطائل أتمتدّ نحو النجم راحة قاصر * وأين الثريّا من يد المتناول ! ومن رام في الإقراء عالي شأنه * فذلك عند النّاس ليس بعاقل أحلّ جمال الدين في الخلد ربّه * ليحظى بعفو منه شاف وشامل وروّاه مولاه الرّحيم برحمة * يحيّيه منها هاطل بعد هاطل